إخواني الأحباب رواد المدونة
تم الانتقال إلى العنوان
طيوف الذكرى
ذكريات.. من العهد الجامعي
.: الفصل الثالث :.
التحديث (25)
11 ديسمبر 2007
.: بداية أليمة :.
التقيت بالأخ لقمان في المطار لنغادر البحرين سويا، وكان معنا أخ من البحرين ذاهب إلى العين لأخذ فكرة عن الجامعة، وصلنا إلى أبو ظبي وكان في انتظارنا الأخ راعي السيفيك، وانتظرنا الأخ شاعر جو ليصل على الرحلة التالية، ثم كانت انطلاقتنا إلى العين.
الأخ شاعر جو بناء على توصية من راعي السيفيك، كان قد أحضر معه حافظة فيها (أسياخ تكة) لنشويها ليلة الوصول.
بعد الوصول إلى السكن، بدأ كل منا يرتب أموره ويستعد لحفلة الشواء، حتى بدأ البرنامج، أنا والأخ لقمان وشاعر جو، وراعي الحفل الأخ راعي السيفيك، وكنا في انتظار الإخوة عبدالرحيم وZain وعاشق الشاي، بدأنا الشواء والأمور تسير على خير ما يرام، وفي تلك الأثناء قام الأخ شاعر جو مجتهدا بسكب شيء من الكيروسين على الجمر ليزداد اشتعالا، ولكنه أخطأ تقدير الكمية فاشتعلت النار في المنقلة وما حولها، قارورة البنزين التي أحضرناها لتحفيز الاشتعال أصبحت محاضرة بالنيران من جميع الجوانب، والمشكلة أنها مغلقة أيضاً مما قد يسبب انفجارا في حوش الفيلا، أسرع الأخ راعي السيفيك في حركة بهلوانية بطولية ليركل القارورة بكل قوته ليبعدها عن النار، ولكن القارورة كانت وللأسف مفتوحة، لم أر غير شظية من النار تنطلق نحو شجرة في زاوية الفيلا لتشتعل النار في الشجرة، وقفنا ننظر إلى الشجرة مشدوهين، ولم ننتبه إلى على صوت راعي السيفيك يصرخ، التفتنا ناحيته فإذا به يركض، والنار تشتعل في ثوبه، ونحن نصرخ فيه أن يخلع ثوبه حتى فعل، والحمد لله أن الحرق كان بسيطا ولم يؤثر إلى في يديه قليلاً وحرق آخر بسيط في جبهته.
ذهب مع الأخ شاعر جو إلى المستشفى القريب وعادوا بعدها لنستأنف برنامجنا، ومع أنها كانت ليلة أليمة، إلا أنها كانت في الوقت نفسه ليلة لذيذة، خاصة عندما نتذوق التكة البحرينية في أرض العين.
.: فصل جديد :.
اليوم التالي كان يوم التسجيل للفصل المقبل، ذهبنا وكانت الأمور ميسرة والحمد لله، قمت بتسجيل خمس مواد، جميعها من متطلبات كلية الإدارة والاقتصاد، بداية جديدة وعزم على الانطلاق دون توقف.
المحاسبة كانت واحدة من المواد التي سجلتها في ذلك الفصل، ولأنها تشكل دخولي الأول إلى التخصص الذي اخترته، فقد كنت متحمسا للخوض في هذه المادة التي سأدرسها للمرة الأولى في حياتي.
مادة أخرى من مواد هذا الفصل كانت مادة التلاوة والتجويد، التي اخترتها لتكون بداية دخولي إلى عالم التجويد، والجميل في الموضوع أن الأخ مدحت كان قد سجل في المادة نفسها فالتقينا معا في نفس الشعبة وهي المرة الوحيدة التي ألتقي فيها معه طوال سنوات الدراسة.
في ظاهره كان فصلا خفيفا قليل المواد سهلها، لا صعوبة فيها ولا ضيق في الوقت، غير أن البداية تحتاج إلى تأقلم، وهذا ما كنت أحاول جاهدا أن أنساق معه.
وتستمر أحداث الفصل الثالث قريبا.. فكونوا معنا..
بو ياسر
2/12/2007
تحديث الساعة 7:45 صباحا
=================================================
التحديث (26)
12 ديسمبر 2007
.: فرصة للراحة.. ثم انطلاقة :.
لم يبدأ الجد بعد، لأن الشباب في انتظار إجازة عيد الأضحى المبارك التي ستكون بعد أسبوعين من بداية الدراسة، ومن الطبيعي أن يبدأ الجد بعدها لينطلق كل منا في أموره وهمومه ودروسه.
عدنا إلى البحرين للعيد، وسرعان ما انقضت الإجازة لتنتهي مرحلة التسويف ويبدأ الجد، بدأ كل منا يمسح من مخيلته أفكار العودة إلى البحرين، لأن الإجازات لن يكون لها مرور علينا في هذا الفصل، على عكس الفصل الدراسي الأول الذي يعج بالإجازات وفرص الراحة.
الشباب كل منهم في همومه ومتطلباته، الجميع في مرحلة من الجد، حتى لقمان الذي بدأ فصله الثاني في الجامعة لديه مادة مكونة من مجلدين عليه أن يحفظهما ويعيهما جيداً لأن هذه المادة ستكون مدخله إلى كلية الشريعة والقانون.
المحاسبة، المادة التي أستعد للدخول إلى عالمها لتكون تخصص المستقبل، بدأتها بحماس سرعان ما بدأت نيرانه تخمد بعد أن وجدت أن شباب المسار التجاري – في المدرسة – يتفوقون علينا معشر العلمي في المحاسبة وفي المواد التجارية عموما، وأنني - شخصيا – لم أكن أستطيع استيعاب الكثير من الأمور والتي كنت أراها كالطلاسم لا يكاد يصل شيء منها إلى دماغي، التخصص الذي كنت أعتقد أنني سأدخله بقوة وسيكون بداية للداهية بو ياسر الذي سيغير في عالم المحاسبة تغييرات جذرية ويصنع الفخر له ولوطنه، بدأ – هذا التخصص - يغدو أمامي كالطيف الذي تتلاشى ألوانه شيئاً فشيئاً فلا يبدو للناظر منه إلا السواد.
حالة من الإحباط بدأت تعتريني، حاولت التغلب عليها بكل ما أوتيت، بالعمل الجاد تارة، وبالإيحاءات النفسية تارة أخرى، فعلى مكتبي في الغرفة-5 وضعت شعارا أشار علي بكتابته الأخ الكروان كتبت فيه "ما أروع المحاسبة"، محاولا بذلك أن أتغلب على الشعور السلبي بداخلي والذي كان يملؤني حتى الآخر.
لم يكن ذلك الشعار ليغير شيئا ولو كان مكانه ألف شعار، فالخلل كان في أمور عديدة لا يتسع المجال لذكرها هنا، ولا يغير ذكرها من الموضوع شيئا.
لكن الأمر الذي كان له الفضل - بعد الله سبحانه وتعالى - في ت
طيوف الذكرى
ذكريات.. من العهد الجامعي
.: الفصل الثاني :.
التحديث (16)
27/11/2007
.: فصل دراسي جديد :.
عدنا إلى العين بعد إجازة سعيدة، ربما لم تكن كذلك بالنسبة للبعض، فقد ظل الإخوة مدحت والكروان والمدبر وغيرهم في العين للفصل الصيفي، الذي تمر فيه مدينة العين بمرحلة تسمي مرحلة "التنور" وذلك للحرارة الشديدة التي تلف المدينة بأكملها.
في أواخر الصيف وقعت حادثة تاريخية في البحرين، ولا أظنها تنسى أو ينتهي ذكرها وخاصة عند أهل البحرين.
تلك الحادثة كانت حادثة سقوط طائرة طيران الخليج في مياه البحرين بالقرب من قرية الدير، ولازلت أذكر أن هذه الحادثة كانت حديث الساحة، ولا يكاد أحد يفتح فمه إلا وتكلم عن الموضوع المذكور.
علمت بسقوط الطائرة عندما كنت مع الأهل في كوالالامبور نستعد للعودة، ولك أن تتخيل القلق الذي يسيطر على الفرد عندما يسمع خبر حادث راح ضحيته مئات البشر، ومنهم الأخ العزيز أو الأستاذ المربي، أو أحد المعارف أو ابن بلدنا أيا كان، ثم يقضي السامع بعد ذلك ثماني ساعات في طريق عودته، من كوالالامبور إلى سنغافورة، ومنها إلى دبي، ثم إلى البحرين ليستريح سويعات من عناء السفر، ويواصل رحلته بعدها إلى أبو ظبي، نعم قضيت تلك الرحلات كلها في فزع لا يعلمه إلا الله، ولا أنكر أن ذلك لم يكن إلا لضعف الإيمان، ولو أننا تذكرنا قول الله تعالى "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" لما اهتم أحدنا بأمر مقدر عليه ولتوكل على الله غير مكترث بمصير قدره الله، وربما يكون له فيه خير.
وصلت إلى مطار أبو ظبي وكان في استقبالي الأخ (راعي السيفيك)، انطلقنا إلى العين ليعود اللقاء والاجتماع من جديد، وبدأت الوفود تصل والأعداد في ازدياد، الفيلا 40 بنضارتها وروعتها لم تختلف، تنتظر عودة الغائبين وتبتسم لهم في شوق، غير أن أحدهم استغل غياب الشباب هذه المرة أيضاً، وقام بسرقة بعض الممتلكات من الفيلا، وأكبر هذه الممتلكات التلفاز الذي يشغل به الغالبية وقت فراغهم.
في صباح اليوم التالي كان علينا أن نذهب إلى الجامعة لتعود معاناة التسجيل من جديد، ولكن الواقع كان خلاف المتوقع، فقد كانت الأمور ميسرة جداً وأنهيت التسجيل بسهولة، وحصلت على الجدول الذي تمنيته، محاضرات من الساعة الثامنة صباحا وحتى الواحدة ظهرا، ولم يبق من مواد المتطلبات الجامعية إلا القليل، مادتان وتعتق رقبة العبد الفقير – بو ياسر – من مذلة المتطلبات، ومعهما مادتان أخريان من كلية الإدارة والاقتصاد.
أنهيت التسجيل وعدت إلى السكن، لأودع الشباب من جديد وأعود إلى البحرين أقضي فيها أياما قلائل، قبل بدء الفصل الدراسي، وسرعان ما انقضت الأيام وعدت إلى العين مع جمع الشباب لنبدأ فصلا دراسيا جديداً.
في الحلقة القادمة تجدد في الشخصيات.. فانتظرونا بعد سويعات إن شاء الله..
بو ياسر
20/11/2007
تحديث الساعة 7:50 صباحا
==========================================
التحديث (17)
27/11/2007
.: طالب جديد :.
كنت عائداً من المطعم إلى الفيلا 40 مع الأخ أيسر في أول يوم دراسي، ولمحت من بعيد شخصا يلوح لأيسر وكأنما يعرفه مسبقاً، فأشار إليه أيسر بالسلام وواصلنا طريقنا، وقبل أن أسأل أيسر عن ذلك الشخص، قال لي: "عرفت ذلك الشخص؟" فأجبته بالنفي فواصل قائلا: "هذا (لقمان)، الطالب البحريني الجديد، وسيسكن معنا في الفيلا 40".
عرفت شكل الطالب الجديد المسمى لقمان، وانتظرت عودته من المطعم لأتعرف إليه عن قرب، وعندما عاد، نزلت إليه في الغرفة-1، عرفته بنفسي وعرفني بنفسه، ولم أتوقع يوما أن هذه اللقاء سيكون بداية لمعرفة وعلاقة أخوية مختلفة عن سائر العلاقات، لأن الأخ لقمان كان رفيق دربي منذ دخوله إلى الجامعة وحتى تخرجي أنا منها، أي لمدة ثلاث سنوات ونصف، قد يكون ذلك مكتوبا علينا نحن الاثنان، لأننا الأقرب سنا من بعضنا، وربما لتشابه وجهات النظر والميول أيضاً.
بدأ الفصل الدراسي وانطلقنا فيه بجدية ونشاط، كنت أبدأ محاضراتي في الساعة الثامنة صباحا، وكذلك الأخ لقمان، فاتفقنا على برنامج يومي وهو الخروج لتناول وجبة الإفطار في مطعم السكن، لننطلق بعدها إلى الجامعة، ونلتقي في السكن بعد الساعة الثانية حيث تنتهي محاضرات الأخ لقمان، وأكون قد سبقته بساعة، ونذهب لتناول وجبة الغداء.
كانت الأوقات في قمة التنظيم بسبب انتظام الجدول، مما يسر لنا استغلال النهار والليل في كل ما يتبادر إلى الذهن من الأمور، أحيانا نرى النوم أفضل برنامج للعصر، وأحيانا نخرج للتسوق وفي أحيان أخرى نفضل تبادل الأحاديث.. المهم أن البرنامج لم يكن شيء من الملل يتسلل إليه.
الأخ لقمان كان قد التقى بالأخ المدبر في البحرين مسبقا ليتعرف إلى طبيعة الحياة في العين، وفهم منه جل الأمور، وعلم أن نظاما متناسقا يدير شؤون الشباب البحرينيين في العين، وعلم أيضاً أن الأخ الكروان هو القائد لذلك النظام وهو بمثابة الأب الروحي لأفراد المجموعة.
كعادته وصل الأخ الكروان إلى العين بعد أن سبقه الجميع، ورحب بالرعية وابتسم بوقار وسكينة، ودلف إلى غرفته (يرتب أموره)، في الوقت الذي كان لقمان في الصالة يترقب خروج القائد ليصدر الأوامر ويبدأ الجميع في التنفيذ، وكان يجلس معه الأخ المدبر والأخ أيسر والأخ متفائل، وإذا بلقمان يذهل من هول المفاجأة، لأن المعارضة القائمة في الفيلا، والتي لم يكن يعلم أصلا بوجودها تكيد للقائد أقوى أنواع المكائد، لم يكد الكروان المسكين يخرج من غرفته إلا ومد المدبر رجله ليعرقله فيسقط هاتفه، ابتسم الكروان ابتسامة الحليم وواصل دربه غير منتبه لسقوط الهاتف، رجع بعد أن انتبه فوجده قد صودر من قبل جماعة المعارضة وبدؤوا بالمساومة على رميه من شرفة الصالة.
عندها علم لقمان أن النظام لم يكن نظاما بالمعنى المفهوم وإنما هو نظام أخوي تسوده المحبة والمزاح والألفة، وأن كلمة النظام لا تعني إلا الالتزام ببعض المبادئ الأساسية، لكي تستمر الأخوة والمحبة بين الجميع دون تفريط في الجوانب المهمة من حياتنا كشباب بحرينيين، نمثل بلدنا في قطر آخر، وانسجم الأخ لقمان من يومها مع المجموعة أيما انسجام، ليكون عضوا أساسيا في الفيلا 40، يهمه ما يهم جميع الأفراد، ويسعى لما يسعى إليه الجميع.
المزيد.. في الحلقات القادمة من تسلسل الذكريات..
بو ياسر
22/11/2007
تحديث الساعة 12:15 ظهرا
==========================================
التحديث (18)
28/11/2007
.: التلفاز البديل :.
سبق وذكرت أن الفيلا تعرضت لحادث سرقة أثيم في غياب الشباب رواد الفيلا 40، سرقت فيه أمور عدة لعل أهمهما التلفاز الذي كان الوسيلة الترفيهية الأساسية في الفيلا. وقد كان البعض من الشباب يقومون بدور المتحري في الموضوع، منهم على سبيل المثال الأخ شاعر جو، الذي ما إن يرى شخصا يمر بجوار الفيلا – مرور الكرام - إلا اعتبر مروره مشبوها، متعللاً بالحكمة البوليسية التي تنص على أن المجرم لابد من أن يعود يوما إلى مكان جريمته.
فقام مرة بمداهمة اجتهادية لغرفة الأخ البنغالي يوسف، وكانت المداهمة بدعم من الرقيب دعدش، أقصد الأخ بو ياسر، محدثكم، لم تكن الشكوك تشير إلى يوسف لأنه كان قد ترك العمل في السكن، لكن الشك كان في بنغالي آخر يقيم معه، وانتهج الأخ شاعر جو منهج الترهيب ليرغم المتهم على الاعتراف، فصرخ في وجهه يسأله عن التلفاز وكأنما قضي أمر السارق وعرفت هويته، ولم يبق إلا أن نستعيد المسروق، ولكن كعادة الإخوة البنغاليين، بدأ المتهم بالصراخ والعويل دون أن نفهم شيئا مما قال، فعدنا أدراجنا دون أدنى نتيجة.
بعد ذلك اتفق الشباب على شراء تلفاز جديد، فبادر بذلك الأخوة المدبر والأخ مطلوب، وذهبا إلى سوق دبي وهناك اشتريا التلفاز الجديد، جديد على الفيلا 40 ولم يكن جديداً بالمعنى الذي يفهمه القارئ، حيث كان التلفاز من صناعة سبعينيات القرن الماضي، وكنا نحتاج عند تثبيته إلى وضع حزمة من الجرائد تحت مقدمته لكي لا يباغتنا فيسجد على وجهه فينكسر، ومع مرور الزمن بدأ التلفاز يمتنع عن الاستجابة للأوامر، فقام الأخ متفائل بوضع سكين قرب التلفاز، يقوم من أراد تغيير القناة بطعن التلفاز فيستجيب له مكرهاً.
جدير بالذكر أن التلفاز المسروق لم يكن أسعد حظاً من التلفاز الذي تكلمنا عنه، فقد لفظ جهاز التحكم (الريموت)، الخاص بالتلفاز السابق أنفاسه في أواخر الفصل المنصرم، بعد أن عاث به الأخ متفائل تنكيلا وتعذيبا، وقد كنا نرأف بحاله عندما نسمعه يضرب الجهاز ضربا دون أدنى رحمة، كل ذلك ليستجيب له ويقوم بتغيير القناة.
عندما شارف الفصل على الانتهاء قرر الإخوة التخلص من التلفاز بعد أن وصل إلى مرحلة حرجة، لدرجة أن لفظ (تلفاز) لم يعد يطلق عليه، فكر بعض الإخوة في رميه من شرفة الفيلا الأمامية ليكون عبرة لمن يعتبر، لكن الفكرة لم تلق قبولا من أحد، فقام الإخوة المدبر ومطلوب والأخ لقمان بأخذه إلى سوق العين لبيعه، ووصلت المناقصة (وليست المزايدة) إلى مبلغ 50 درهما، ولم يقبل أحد بشرائه، ثم جاء أحد الهنود يسأل عن التلفاز، وأخبره الأخ المدبر أنه بخمسين درهما فقط، فقال الهندي أنه لابد من تشغيله وتجربته أولا، فوافق الشباب على الفور، وما إن أخذ الهندي التلفاز وذهب إلى أقرب محل لتشغيله، سارع الشباب بالركوب إلى السيارة ولاذوا بالفرار تاركين التلفاز لمصيره، وقد أحرزوا إنجازا رائعاً بعد أن أتموا مهمة التخلص مما كان يسمى في يوم من الأيام: تلفازاً.
وبقينا دون تلفاز حتى انتهى الفصل الدراسي، وربما كان ذلك في صالحنا جميعا، حيث تفرغنا بعدها للاستعداد للامتحانات النهائية، وقد كنت الأسعد بينهم إذ أن التلفاز كان موقعه عند باب غرفتنا، فنعمنا بعدها بجو دراسي هادئ وانتهى التجمع اليومي في الصالة المحاذية لغرفتنا.
بو ياسر
15/11/2007
تحديث الساعة 7:50
====================================================
التحديث (19)
29/11/2007
.: عودة عبدالجبار :.
بعد أن قضى أخونا عبدالجبار الفصل السابق في البحرين من أجل النقاهة، عاد إلى العين ليستأنف دراسته ويواصل درب الاجتهاد الذي بدأه قبل سنتين ونصف تقريبا.
عاد عبدالجبار ليستقر في الغرفة رقم 2 مع الأخ متفائل، الذي تجمعه به صلة مصاهرة، ولكي لا يحصل أي لبس للقارئ الكريم، فإني أود أن أشير هنا إلى توزيع الغرف في الفيلا 40 خلال الفصل المذكور، الأخوة عبدالجبار ومتفائل يسكنان الغرفة رقم 2 كما أسلفنا وانضم إليهما في هذا الفصل الأخ لقمان، الغرفة رقم 1 يسكنها الأخوان مجعص وعاشق الشاي بعد أن قرر الأخ عاشق الشاي تغيير غرفته تاركا مكانه خاليا في غرفة الأخ شاعر جو الغرفة رقم 3، الغرفة رقم 4 يسكنها الأخوان مدحت والكروان، أي أنها تمثل غرفة القيادة ومركز التوجيه والتخطيط، الغرفة 5 كان يسكنها الأخ أيسر مع الفقير إلى ربه بو ياسر، وأخيرا الغرفة رقم 6 كانت للأخوين الحبيبين مطلوب والمدبر، وربما كانت الغرفة 6 أوسع الغرف مساحة، وأكثرها حيوية لتواجد الأخ المدبر ومساندة الأخ مطلوب بهدوء وصمت.
.: الانتفاضة المباركة :.
في الثامن والعشرين من شهر سبتمبر (أيلول) 2000م، اندلعت انتفاضة القدس الثانية والتي سميت (انتفاضة الأقصى)، وذلك بعد زيارة دنيئة لشارون ودخول قسري إلى ساحات المسجد الأقصى المبارك، قتلى وجرحى وعدد الشهداء في ازدياد، شباب الفيلا 40 يتسمرون أمام التلفاز يوميا لمتابعة الأخبار، وجاءت الصورة المؤلمة التي لا تزال في ذاكرة كل مسلم، استشهاد الطفل محمد الدرة، كل هذه المشاهد كان لها أثر كبير في نفوس المسلمين جميعا، الحماس يدب في القلوب، وكل يبذل كل ما في وسعه من دعاء وتبرعات، شباب الفيلا 40، يفكرون، ماذا عسانا أن نفعل؟
الأخ المدبر ألقى
طيوف الذكرى
ذكريات.. من العهد الجامعي
.: الفصل الأول - الجزء الأول :.
.: مـقـدمـة :.
في جزيرة العرب، عندما تيمم شرقا بعيدا عن مملكتنا الغالية، وبعيدا عن تردد الأمواج على السواحل وأصوات هديرها، بعيدا عن الشواطئ والمظاهر اللينة، تقع مدينة سمعت عنها كثيرا مذ كنت صغيرا، واستغربت اسمها عندما سمعته أول مرة، وتمنيت لو أنني استطعت إليها سبيلا، ولكنني كنت حينها أصغر من أن أسافر وحيدا، أو أن أقترح السفر لمكان ما.
وكما هو حال الدنيا، أسرعت الأيام والشهور والسنون انقضاءها ليكبر الصغير ويشب، ويحين موعد لم يكن ليتوقعه رغم تمنيه إياه، حزمت أمتعتي مغادرا أرض الوطن، إلى تلك المدينة التي سمعت عنها صغيرا، وشاء الله تعالى وقدّر لي، أن أكمل رسم خريطة المستقبل فيها كبيرا.
دخلتها في ساعة متأخرة من الليل، فوجدتها موحشة على عكس ما توقعت، لا حركة فيها ولا حياة، الأسواق مغلقة والمدينة يخيم عليها الصمت، حتى سائق السيارة التي أوصلني لم يكن يتكلم ولا يرد إلا بقدر السؤال، بدأت صورة أخرى ترتسم في داخلي عن هذه المدينة، وكانت الليلة الأولى فيها عصيبة بحق، ومظلمة أكثر من أي ليلة أخرى.
ولو أردت الدخول في أعماق المدينة أكثر فإني لن أجد فيها ما غيّر نظرة التشاؤم التي وجدتها عند نزولي.. غيرها..
نعم إنها هي، أحببتها من أعماق قلبي وترنمت بذكرها كثيرا، تكلمت مع الكثيرين عنها ووصفت لهم مقدارها، كثيرا ما نسيت نفسي في حديثي عنها وأسهبت في الإطراء وأكبرت قدرها في نفسي، لكنني عندما أعود لنفسي أشعر بالندم يؤنبني، لأن هذا القدر كان يجب أن يكتم في الأعماق لا أن يتردد على الألسن.
كانت سنوات المحبة تلك قصة بحد ذاتها، سرعان ما تلاشت بانتهاء فترة المشروع الذي سافرت من أجله، عدت لأزورها مرة أخرى وأخرى، لكن إيماني بقضاء الله وقدره يجعلني أرضى بما قسم، فلم تعد في مكانها كما كانت، عدت إليها ذات يوم والشوق يحدوني فلم أجدها هي! وقفت على الأطلال أبكيها، وأنعيها لنفسي لعلي أهون الأمر قليلاً، وأنى له أن يهون!
أأبكيكِ؟ ويشهد حينها القمـــرُ؟ *** وأشواقي لذكــراكِ لتستعرُ
جمعتِ الحب في الأعماق راضية *** ولم يعرف لقدركِ حينها بشرُ
فبالله، إن سافرت يوما فبلغها سلامي، وقص عليها صدق ما أحببتها من أجله، وخبرها أنني وإن بعدت فإنني لم أنسها، ولم أحبب في الأرض هاتيك غيرها أبدا، وإني إن أحببت تلك الأرض، فإني لم أحببها إلا لأنها حملتها على ترابها.
ادخل إلى تلك المدينة وسر في أرضها، اجتز الأسواق والمباني نحو درب العاصمة، وهناك في نهاية المدينة، سترى حياً مهجوراً، يقال له "بدع بن عمار" مسورا قد يمنعك الحراس من الدخول إليه، وكيف لا يمنعوك وهي تعيش في داخله، أبت نفسها أن تترك الأرض التي حوتها طوال السنين، وجمعتها بمن أحبت، نعم هناك كان لقائي بها أول مرة، وهناك كانت لقاءاتنا المتكررة، وكنت في كل مرة أطيل الغياب، أعود فأسمع منها العتاب، فأطيب منها الخاطر بهدايا وعطايا، قل أن يهدي العشاق عشيقاتهم مثلها.
ادخل إلى الحي، ادخل إلى أعماقه، واترك المنعطفات جميعها حتى تصل إلى ثالثها، فإن انعطفت فواصل سيرك حتى تصل إليها، ستجدها على يمينك شامخة لم تغيرها الظروف، ستشكو أول ما تشكو هجر الأحباب، ونسيانهم لوهج الذكريات، ستقول لك، أن الأوفياء في هذا الزمان قد ولوا، ولم تبق إلا أسماؤهم، ستجدها وقد أوجع الزمان أطرافها، ولكنها مع ذلك لم تنحن، فإن اشتكت وأعادت، فاسألها عن حبيب لا يذكر في أرضها غيرها، عندها، ستثار عندها الشجون والآلام، ستذكر أنني كنت أرعاها وأحبها، ولم يرعها بعدي من أحد، ولم يحببها بعدي أي أحد، ستشكوني إليك بالتأكيد، وستعيد الذكريات المريرة على سمعك، وستبوح لك بالأسرار التي لم تسمعها من قبل، فاسمع منها ولا تقطع بوحها، فإن انتهت، فأقرئها مني السلام وأعلمها أنني لم أنس ذكرها منذ أن ودعتها للمرة الأخيرة، ولها في كل لحظة عندي نصيب من الذكرى.
لها في القلب مقدار سيبقى *** رفيع الشأن تعزفه الشجون
وإن كان الفراق كتــــاب ربي *** فأقـــرئها السلام متى يكون
إن أردت أن تعرفها، فانظر إلى صورتها، وانظر إلى دمعتها، وانظر إلى حاضرها بعدما زال ماضيها، واعلم أن فراقا كهذا.. لا ينتهي بلقاء سعيد كما هو الحال في سائر الفراقات.
لمن لا يعرف ما هي الفيلا 40..
انتظر تحديث الموضوع، ففيه أروع الذكريات عن هذه الفيلا 
==================================
التحديث (1)
11 نوفمبر 2007
ليلة عصيبة
قبل أن أدخل في بطولات الفيلا 40، سأتحدث عن الليلة الأولى لي في مدينة العين، ليعرف القارئ الكريم كيف كان دخولي الأول إلى الفيلا 40، والتي سيكون لها النصيب الأوفر من الذكريات، وهذا ما جعلني أخصص لها كل التمهيد السابق، والإطراء الذي يراه الكثيرون (وأنا منهم) مبالغاً فيه، ولكنني تعمدت ذلك ليعرف القارئ - خاصة إن لم يكن ممن شهدوا أحداث الذكريات – أن هذه الفيلا، عزيزة على كل بحريني عاش فيها، أكثر مما سمي بشقة الحرية، وأظن أن معظم البحرينيين يعرفون ما هي شقة الحرية.
الفيلا 40، كانت هي الملتقى الذي جمعنا طوال سنوات الدراسة، وهي بيتنا الذي كنا نسعى دائما أن يكون الأفضل في محيطه، وقد حازت الفيلا 40 على جائزة الفيلا المثالية لثلاث سنوات متتالية إذا لم تخنّي الذاكرة، في مسابقة أفضل فيلا التي كانت تقيمها إدارة الإسكان الطلابي بسكن الجامعة، ثم ألغيت المسابقة نهائيا ولم أعلم أنها استؤنفت، ولا أعلم أسباب إلغائها بصراحةً.
لا تزال ليلتي الأولى في مدينة العين محفورة في ذاكرتي، وذلك لصعوبتها – في حينها- على شاب في الثامنة عشرة من عمره مثلي، لا تكمن الصعوبة في الدراسة أو في الغربة، ولكن الصعوبة كانت في أن يغير الشخص نظام حياته نهائيا، ليبدأ السير على منوال جديد، ونظام غير معتاد، مع أشخاص يلتقيهم للمرة الأولى في حياته.
.: ما قبل السفر :.
خرجت من البيت صباح يوم الجمعة إلى (الصخير) حيث كان موسم التخييم في ذروته، وذلك في شتاء العام 2000م، دخلت المخيم فإذا به يعج بالشباب من المرحلة الإعدادية، والبرنامج قائم على أشده، والشباب في حركة ونشاط لا مثيل لهما، آلمني جدا أن ما سيمنعني من هذه السعادة لم يبق عليه إلا سويعات، صليت الجمعة في المخيم، وودعت الأحباب وعدت أدراجي إلى المحرق، كان بصحبتي في طريق العودة أحد الطلاب، ولا أذكر أنني نطقت معه بكلمة طوال الطريق، ذلك لأن التفكير شغلني، والكثير من التساؤلات ارتسمت في ذهني، المستقبل، والدراسة، والتخصص، العين، ودخولي الأول إليها عندما ذهبت لتقديم أوراقي، إمكانية التغيير وتحمل الظروف.. أمور كانت تتضارب في دماغي فلا أخلص منها إلى نتيجة..
وحان وقت السفر، مساء يوم الجمعة الرابع من شهر يناير (كانون الثاني) 2000م، ودعت الأهل وكان لا بد من وداع خاص للوالدة العزيزة، وانطلقت إلى المطار، وهناك التقيت بثلاثة من الشباب، الذين سيكونون أوائل الأبطال في سلسلة الذكريات.
الأخ (mtc (سابقا) Zain حاليا) كنت أعرفه مسبقا وكان زميلا لي في المرحلة الإعدادية والثانوية وكان بالنسبة لي أكثر من أخ، التقيته في المطار وسلمت عليه وسلمت على الاثنين الآخرين الذين لم أكن أعرفهما سوى معرفة سطحية، بدأ التعارف من حينها إلى أن وصلنا إلى العين، في الساعة الثانية عشرة ليلاً، وذهبنا إلى السكن، وكما ذكرت مسبقا فإن المدينة في تلك الساعة تكون موحشة لا حياة فيها، وسبق أن عرفت ذلك في سفرتي الأولى قبل أسبوع من هذه الأحداث.
وصلنا إلى السكن، أخذنا الأخ Zain إلى غرفته وقد كانت بدون مبالغة لا تتعدى أبعادها المتران ونصف المتر طولا ومثلها عرضا، وقال أننا سنبيت هذه الليلة في الغرفة المذكورة!
جلسنا نتبادل أطراف الحديث ووجدت أننا ونحن جلوس لم تكن الغرفة لتسعنا، فكيف سيكون الحال عند النوم؟
الأخ Zain اتصل بأحد معارفه من شباب أبو ظبي (راعي السيفيك) الذين يسكنون الفيلا نفسها وتكرموا علينا بغرفة من غرفهم، فكان القرار من الأخ Zain أن أنتقل أنا والأخ الذي عرفته تلك الليلة واسمه الرمزي (عاشق الشاي)، انتقلنا إلى تلك الغرفة الواسعة، وكان الاتفاق أن نخلد إلى النوم لننهي إجراءات الفحص الطبي والإسكان في صباح اليوم التالي، لكن لزوم التعارف جعلتنا نتحادث حتى قبيل الفجر، أنا والأخ عاشق الشاهي.
الأخ عاشق الشاي كان ولازال مدخنا وكان يشعل السيجارة تلو السيجارة وينفثها في الغرفة، حتى غدت رائحتي أنتن من رائحة السيجارة نفسها، واستحياءً من الأخ الذي لم أعرفه إلا قبل ساعات، فإني لم أستنكر ذلك إلا بقلبي وذلك أضعف الإيمان، واليوم عندما أذكره بتلك الليلة يضحك ويقول أنه تعمد ذلك لكي يعودني على تقبل جميع الأوضاع، وأنا بدوري أقدم له جزيل الشكر على هذا الدرس القيّم.
كان هذا من ظاهر المواقف، أما باطنها، فقد كان غير ذلك، لم أكن أعرف أين سيكون مكان إقامتي، ولا طبيعة المكان، ولم أتصور أنني سأبيت الليل على رائحة الدخان وأصحو عليها، كل ذلك كان يشكل نقاط قلق بالنسبة لي، وبقيت على هذه الحال، حتى غلبني النوم وأصبح الصباح.
نستأنف الذكريات قريبا بإذن الله.. وفيها..
* نتائج الفحص الطبي
* الظهور الأول للفيلا 40 في حياة بو ياسر
بو ياسر
11/11/2007
تحديث 12:30 ظهرا
===================================
التحديث (2)
12/11/2007
من أصبح.. أفلح
بعد ليلة هادئة مليئة بالأفكار، تشوبها سحب الدخان الداكنة، استيقظنا بقيادة دليلنا الأخ Zain، لنذهب إلى الجامعة وإدارة الإسكان الطلابي وإلى مكان يدعى (الصحة المدرسية)، إلى اليوم وأنا أفكر، طالما كنا طلابا جامعيين، حتى وإن كنا مستجدين حينها، ما شأننا نحن والصحة المدرسية! أما زال شبح المدرسة يطاردنا حتى الآن! لكنني لم أجد جوابا لتساؤلي حتى اليوم!
دخلنا إلى هذا المبنى لاستلام نتائج الفحص الطبي الذي قمنا بإجرائه قبل أسبوع، في الزيارة الأولى لي لمدينة العين، ووجدنا أننا نحن الثلاثة، لائقون صحياً، لم يكن ذلك جديداً علي إذ أنني لم أعاني حينها من أي داء والحمد لله، لكن الغريب في الموضوع أن الأخوين (عاشق الشاي) والأخ الآخر (عبدالرحيم) كانوا يضحكون بطريقة غريبة جعلتني أعرف أن وراء هذه الضحكات سرا، لكنني استحيت حينها أن أسأل.
وبعد دهر من الزمن عرفت أن وراء تلك الضحكات سالفة.. الأخوان عندما دخلا إلى دورة المياه، وكان قد طُلب منا عينة من البول وعينة من الخروج (أجلكم الله)، وجد أحدهما أن بطنه خالية، فهمس للآخر بذلك الذي أكد أن عنده ما يكفي لهما هما الاثنان، فكان وقت الفزعة، إذ ناوله قارورة المختبر ليضع له شيئا من خصوصياته، فكان الضحك أن لعبتهم قد انطلت على أخصائيي المختبر في (الصحة المدرسية)، وعلى هذا كان الضحك، ولا أظن أن هذا الضحك سيكون لو كان أحدهما مصابا بوباء لا سمح الله، إذن لحرم الاثنان من الدراسة بسبب هذه العينة.
بعد انتهائنا من إجراءات الصحة والإسكان وشؤون التغذية، عدنا لأخذ قسط من الراحة، كان ذلك بعد صلاة الظهر، استيقظت لصلاة العصر، ولم أجد بعدها رغبة في النوم، كنت قد سألت الأخ Zain عن مكان إقامة الشباب البحرينيين، فأرشدني إلى المكان وأخبرني أن رقم الفيلا هو 40، بعد خروجي من مسجد السكن، ذهبت أستحث الخطى لأطلع على المكان الذي سيؤويني في السنوات القادمة، الفيلا 40، وصلت إليها فلم تكن من الخارج مختلفة عن سائر الفلل، غير أن بقايا بعض الأعشاب في حوش الفيلا لا تزال قائمة، وما إن دخلت حتى جائني رجل بنغالي يصرخ في وجهي ويمنعني من الدخول، حاولت التفاهم معه وعندما علم أنني بحريني، سمح لي بالدخول، علمت لاحقا أن هذا البنغالي ويدعى يوسف، قد استع
طيوف الذكرى
ذكريات.. من العهد الجامعي
.: الفصل الأول - الجزء الثاني :.
التحديث (8)
18/11/2007
.: أيام لا تنسى :.
في الزمن المذكور، عندما تدخل إلى مطعم المرخانية-1، في وقت وجبة العشاء بالذات، ستجد ناحية الشمال طاولة عامرة، يجتمع عليها أكثر من خمسة عشر شخصا، كلهم من البحرينيين، من رواد الفيلا 40، ويضاف إليهم نفر من الشباب البحرينيين الذين يسكنون خارج الفيلا، وبعض من المحبين والمقربين والزملاء، وفي أحيان كثيرة لا يجد المتأخر من الشباب مكاناً فيبدأ بإعمار الطاولة المجاورة، فتكون الزاوية كلها للبحرينيين، والجميل في الأمر أنه على الرغم من كثرة العدد والازدحام، إلا أن ذلك لم يكن يزعج الآخرين، بل على العكس من ذلك، كانت سمعة أولئك الشباب في السكن والجامعة طيبة الذكر، وكانوا محبوبين من الجميع لروحهم المرحة، ولمثال التماسك الذي ضربوه بين الآخرين.
وقد حاول عدد من الجاليات أن يسلكوا المسلك ذاته مرات ومرات، ولم يتمكنوا من ذلك، وبسهولة بالغة عندما تسأل عن السبب، أجيبك.. أن تماسك البحرينيين لم يكن وليد العين أو المرخانية، ولكنه تماسك تربى عليه أهل البحرين عموما، وذلك لصغر مساحة البلد، وسعة قلوب أهله.
.: غرفة أم حمام؟ :.
عندما أخذ كل منا موقعه في الفيلا، بدأ الشباب يزينون الغرف ويجهزونها بما يشرح النفس للمعيشة والدراسة، وقد كنت أنا وزميلي الأخ أيسر، قد اتفقنا على عدة أمور لنبدأ بعدها بالعمل الدؤوب من أجل تعديل الغرفة وتجهيزها، وكان من ضمن ما عملنا أن قمنا بتجليد الطاولات المتهالكة، والتي لا يستطيع صاحب إحساس أن يستخدمها للدراسة، فاخترنا المخمل الأزرق لتجليد الطاولات وبدت للناظر كالجديدة ما لم يمسّها أحد.
والأمر الآخر هو أننا اشترينا شريطا لاصقا بزخرفة تتناسب ألوانها وألوان الغرفة-5، وبالمناسبة.. فإن الغرفة-5 هي الغرفة التي سكنت فيها طوال السنوات الأربع التي قضيتها في العين، وقمنا بلصق الشريط ليحيط بالغرفة من الداخل، وبدا شكله رائعا جدا خاصة وأن الفكرة لم تكن مكررة في نطاق الفيلا 40.
لكن الغيرة بدأت تصنع الأعاجيب عند البعض، ولعل الأخ المدبر كان أحدهم، فبدأ التعيير بأسلوب مزاحي ساخر، أن الغرفة-5 تمثل الحمام الأكبر في الفيلا 40، وتم اعتماد اسم "الحمام الكبير" وإطلاقه على الغرفة-5.
وبطبيعة الحال، آثرنا الصمت أنا والأخ أيسر، لأن الميدان هو الذي يثبت الفرسان، وواصلنا عملنا الجاد لتكون الغرفة-5 على صغر مساحتها، أفضل الغرف على الإطلاق، وكانت كذلك بالفعل، وكأني أرى من القراء بعض المعترضين، خاصة ممن كانوا يقطنون الغرف المجاورة، يا أحبتي.. الحقيقة قد تكون مرة أحيانا، ولكن الواقع أجدر أن نسلم به، فعليكم التسليم ولو بعد حين.
.: تفرقة عنصرية :.
على سبيل المزاح والدعابة، كنا أنا والأخ أيسر نتبادل الشتائم (البريئة) مع الأخوين مطلوب والمدبر، ذلك لأننا من المحرق وهما من منطقة أخرى، ولي الفخر أن أذكر انتمائي للمحرق هاهنا، وتحسبا لإمكانية عودة الأخوين إلى رشدهما فإني سأتحفظ على ذكر منطقتهما خوفا من اعتبارهما التصريح بذلك انتقاصا لقدرهما.
ولأن الأخ الكروان، قائد الفيلا 40 كان ينتمي لنفس المنطقة التي ينتمي لها الأخوان المذكوران آنفا، فإنهما ولا شك كانا من المقربين للقيادة، ويعملان دائما على إرضائها كما تفعل هي في المقابل، وما للفقير غير الصبر، حتى يأتي الفرج إن عاجلا أم آجلا.
كانت تلكم الأيام من أسعد أيام العمر بالنسبة لنا جميعا، فلم يكن مزاح يعكر الصفو، وإن حدث ذلك فإن الأمور سرعان ما تعود لتجري في مجرى أفضل من السابق.
ملاحظة: إخواني، أرجو المعذرة فيما تطرقت إليه عن العنصرية والولاء للقيادة، فقد كان من قبيل الدعابة واسترجاعا للأيام الخوالي والذكريات المعسولة، أردت أن أرجعكم لذلك الجو لا أكثر.
بو ياسر
14/11/2007
تحديث الساعة 6:45 صباحا
========================================
التحديث (9)
18/11/2007
.: الــبــيــاعـــة :.
عرف أهل البحرين قديما وحديثا بالتجارة والروح العملية، ولذلك فقد كان من الضروري إدراج الجانب التجاري ضمن الخطط والبرامج الخاصة بشباب الفيلا 40، ومن هذا المنطلق، تأسست البياعة، التي كان يشرف عليها ويدير أمورها الأخ مدحت، وذلك بمعاونة تطوعية من الأخ المدبر الذي كان يتطوع في كل الأمور التي ترتقي بها شؤون الفيلا 40.
إن مما ميز بياعة الفيلا 40 عن أي كشك أو بقالة أو حتى سوبر ماركت، أن شعارها المتخذ آنذاك "منكم وإليكم" أو كما نقول بالبحريني "دهنا في مكبتنا"، فقد كان التأسيس في بداية كل فصل لتبدأ البياعة نشاطاتها بإدارة حكيمة من الأخ مدحت، وكان الولاء للبياعة يدفعنا جميعا للشراء منها ورفض البضائع الدخيلة، لنأتي في نهاية الفصل ونقتسم الأرباح التي كانت في أفضل عصور الازدهار لا تتجاوز 30 درهما للفرد.
الأخ مدحت كان مخلصا متفانيا في عمله كمدير للبياعة، فتراه يعقد الصفقات والاتفاقات مع كل فرد يرجع إلى البحرين في زيارة خاطفة كانت أو طويلة، ليعود إلى العين محملا بأرقى أنواع البضائع التي لا تتوفر في العين، مثل "الروبيان الأصفر"، "ومينو فونزس الحار"، وبعض أنواع الشوكولاطة والحلويات، لتستمر البياعة في العطاء المتميز وتحقيق هدفها الأول وهو رضاء المستهلك.
ومن المميزات الأخرى للبياعة أنها كانت تفتح باب البيع بالدين على مصارعه، فلا تضع قيودا ولا حدود على المشتري، وبهذا كانت البياعة مأوى لكل جائع مسكين ممن ضاقت به السبل وتأخر أهله في إرسال مخصصه المالي، حتى أن بعض الإخوة كانت تصل ديونهم إلى 150 درهما، فيهدد عندها بالحجر على أملاكه إذا لم يسارع بالتسديد، ولم تكن تهديدات الأخ مدحت والأخ المدبر تلقى أي استجابة من أي أحد، لأن الأخ المدبر نفسه كان أكثر الشباب استدانة وأكثرهم استهلاكا للبضائع في البياعة، ولكن للأسف كان استهلاكا على الحساب.
كثيرا ما كان الأخ مدحت يعلن عن عروض ترويجية في البياعة مع أنها لم تكن تحتاج لترويج، فقد كانت تكتسح السوق البحريني في العين اكتساحا إذا لم يكن لها منافس آخر في الفيلا، ومن أمثلة العروض الترويجية التي أعلن عنها تجميع عشرة أغطية لقارورات "راني التفاح" لتحصل على قارورة مجانية، ولا أعلم ما الذي كان يفعله الأخ مدحت بالأغطية التي يجمعها!
عرض آخر كان مع موسم الامتحانات وهو أن تشتري "تويكس" وعصير "ميلكو" بقيمة درهمين، كان هذا هو العرض المعلن عنه، وغاب عن ذهن الأخ مدحت أن هذا هو السعر الطبيعي لمجموع المنتجين، فأين يكمن العرض بالله عليك؟
نشاط آخر مهم كانت ترعاه البياعة، وهو الرعاية الرسمية لمباريات كرة الطائرة في نهاية الأسبوع، حيث كانت البياعة تقدم للفريق الفائز "تويكس" وعلبة بيبسي أسبوعيا، وكان يستحوذ عليها في كل أسبوع إما فريق الأخ مدحت المكون منه ومن الأخ متفائل، أو فريق الأخ المدبر الذي يشاركه فيه الأخ مطلوب، وذلك تطبيق عملي لحكمة "دهنا في مكبتنا".
المزيد من الذكريات في الطريق إليكم.. فانتظرونا
بو ياسر
15/11/2007
تحديث الساعة 10:45 مساءً
=======================================
التحديث (10)
20/11/2007
.: عيد الأضحى المبارك :.
بعد شهر من بدء الدراسة، بدأ الجميع بالحجز والتخطيط للعودة إلى البحرين، لإجازة عيد الأضحى المبارك، وأخذ كل منا يقفل الأمتعة ويحزمها، والتقى الجميع في صالة الفيلا 40، وقد أحكم كل منا إغلاق غرفته، ولم ينس الأخ المدبر توصية "يوسف" بالمحافظة على الفيلا في غياب روادها، وحذره من الإهمال مجددا لأن ذلك يعني المزيد من الخصومات.
محيي الدين، أحد الجنود الأوفياء الذين لا يمكنني نسيانهم في سكن المرخانية-1، ولم يقطع اتصاله بي كما لم أقطع اتصالي به حتى اليوم، وقف محيي عند باب الفيلا مودعا شباب البحرين، وحاول التعبير عن تهنئته بالعيد بقوله "مبروك مبروك أخي"، المهم أن المغزى قد علم، وانطلق كل منا في أوقات متفاوتة إلى المطار، عائدين إلى البحرين، أود أن أشير هنا إلى أن الأخ محيي الدين من الشخصيات التي تستحق أن أفرد لها حلقة كاملة، سنعود إليه لاحقا بإذن الله.
كانت العودة لعيد الأضحى هي عودتي الأولى إلى البحرين منذ أن أصبحت "طالبا" في جامعة الإمارات العربية المتحدة، لذلك فقد كنت في شوق للعودة، وللحديث عن الحياة الجديدة التي عشتها مؤخراً، وفي شوق عارم لكل من كان لي أخاً أو صديقا، أو زميلا أو حتى مجرد شخص عرفته، عدت إلى البحرين، ومع تلك السعادة بالعودة إلا أنني كنت في شوق متواصل إلى العين التي أحببت فيها ذلك الاجتماع الأخوي الرائع، وذلك الجو الجديد الذي لم أكن أتوقع أن يكون بهذه الصورة.
إجازتي في البحرين لم تكن طويلة، لأنني ما إن رجعت حتى غادرتها مرة أخرى لأداء فريضة الحج، وبعد عودتي من الحج مكثت في البحرين أربعة أيام، كانت كافية لزيارة الأهل والأقارب، والحديث مع الأحباب والمقربين، مع أن اللقاءات كانت قصيرة نسبيا، ثم عدنا إلى العين من جديد.
.: العودة لمواصلة المشوار الدراسي :.
التقينا في المطار هذه المرة أنا والأخوة أيسر والمدبر ومتفائل ومدحت والكروان ومطلوب وابن الأشراف، وربما كان معنا عاشق الشاي وZain وعبدالرحيم، ولكني لست متأكدا من ذلك، فقد مر على هذه الأحداث سبع سنوات تقريبا، كان معنا في الطائرة أيضا بعض الشباب البحرينيين لكنني لم أكن أعرفهم جيدا لأنهم يسكنون في سكن آخر غير المرخانية-1، غير أن أحدهم سيكون أحد أبطال المذكرات عندما نصل إلى السنة الثانية من الأحداث، وسيكون الحديث شيقا عن تلك الأيام بإذن الله.
وصلنا إلى العين عن طريق أبو ظبي، وكان الوقت متأخرا، وأصبح لزاما على كل واحد منا أن يسرع بالاستعداد لدوام اليوم التالي، غير أنني لم أكن على عجلة من أمري لأن محاضرتي الأولى تبدأ في الساعة الثانية عشرة ظهراً، لكم أشتاق اليوم إلى دوام يبدأ في مثل ذلك الوقت.
أعتقد أن وصولنا إلى العين كان يشكل بداية جديدة لنا جميعا، لأن علينا مواصلة الفصل حتى نهايته، دون أي إجازات ومناسبات، وربما اضطر البعض ليحبس أنفاسه أكثر إلى ما بعد الفصل الصيفي، كنت أرى الأمر سهلا أول الأمر، ولكن عندما جد الجد وبدأت الأشهر تطوي أيامها، علمت أن المكوث كل هذه الفترة ليس بالأمر السهل، مع أن المواد التي كنت أدرسها كانت مواد التعليم الأساسي، أي أنها لن تخرج عن دائرة اللغة العربية والانجليزية والحاسوب والرياضيات، أي أنني عندما أقارن وضعي بالآخرين، فإن منهم من يستعد للتخرج، ومنهم من تجلده سياط التخصص، ومنهم من يقف على شفى حفرة من الطرد، ومنهم من باع نفسه ودراسته للمصير المكتوب، فلم يعد يلتفت لدراسة ولا حضور.
الحرارة ترتفع شيئاً فشيئا، بعد أن كان البرد قارصا في بداية الفصل، حتى أصبحت السموم الصحراوية تشوي الوجوه فلا يحتمل الفرد منا المشي في الشمس
في أحضان الأخوة
يقول:
بخطوات مترددة، دخلت وأشعلت مصابيح الغرفة التي سأقضي فيها السنوات القادمة من حياتي الدراسية، غرفة هادئة، سرير في الزاوية وعلى جانبه طاولة للمذاكرة، وخزانة للملابس في الزاوية الأخرى، وبعض الذكريات كتبت على الجدار، أوراق مبعثرة هنا وهناك، غرفة كئيبة بحق، لا أدري كيف ستكون سنواتي القادمة فيها.
وبهذا الشعور المتردد، تقدمت إلى داخل الغرفة، وألقيت حقيبتي على الأرض، ثم ألقيت بحمل نفسي على ذلك السرير، لم يكن وثيراً كما كان سريري، ولم يكن دافئاً كما اعتدت، لكنني أستطيع أن أتعايش مع هذا الوضع، ومن يدري لعل الظروف تتبدل مع الأيام، لقد كانت الظروف في السنوات الماضية تتغير بين يوم وليلة، ولم أكن أعيش وضعاً بكامله لأن وضعاً مختلفاً سرعان ما يطويه، تحت الوسادة أدخلت رأسي، كتمت أنفاسي وحبست دموعي، هذه هي الغربة التي سمعت عنها كثيراً، فإذا كانت هذه هي الغربة في أول يوم، فكيف ستكون في الأيام والأشهر والسنوات القادمة؟
يا الله، إنه القدر الذي كتبته، وإنه التدبير الذي دبرته، لك الحمد على كل حال، هل كان قدري أن أسافر بهذه النفسية؟ هل كان قدري أن أغادر بهذا الشعور؟ ألم يكن بالإمكان أن أغادر أرض الوطن والمودعون يلوحون بالمحبة من كل صوب؟ أليس الشعور رائعاً أن تسمع عبارات الأمل من محبيك! لماذا كان علي أن أحتمل كل هذا، ومن أنا؟ إنني مجرد شاب ضعيف لا يقوى على كل هذه الآلام، وماذا كان ذنبي؟ هل ذنبي الوحيد أنني.. أحببتهم؟
رباه.. أشياؤك الصغرى تعذبني *** فكيـف أنجو من الأشياء رباه
وكيف أهرب منه؟ إنه قــدري *** هل يملك النهر تغييرا لمجراه؟
واليوم وفي هذا البلد، من سيكون رفيقي، ومن سيكون خليلي، ولمن أشكو ولمن تهفو نفسي، إذا كان الأحبة قد تخلوا هناك، فكيف أجدهم هنا؟ رباه رحمتك، لا تحملني ما لا أطيق.
وفي خضم هذا التفكير غير المنقطع، والأفكار المتوالية، كسر ذلك الصمت رنين هاتفي، تناولته لأشاهد على شاشته ابتسامة ناضرة، لطالما اشتقت أن أراها، سمعته يحدثني قبل أن أجيب، سمعت تبريره واعتذاره، وتفهمت وضعه وظروفه، واعتذرت له قبل أن يعتذر، شوق إلى صوته دفعني للرد بسرعة، بدأ بالسلام فأجبته، وسأل عن حالي فحمدت الله وأثنيت عليه، ثم انتقلنا إلى أحاديث ذات شجون، وذكريات لم تعرف الحدود، أروع الأيام، وأكثرها نقاء وصفاء.
اعذرني فلعلي دخلت في متاهة الذكريات التي بدأ فهمها يستعصي عليك، لكنني أردت أن أصف لك شعوري وإحساسي في تلك اللحظات، في ذلك اليوم الذي لن أنساه ما كتب الله لي الحياة، فعلى الرغم من شدته، إلا أن بلسماً حانياً كان أسبق إلى نفسي من هم الغربة وقسوتها.
لعل من الأفضل أن أسرد القصة لك من بدايتها..
التقيته أول مرة عندما كنا في المرحلة الإعدادية، ولم أتقبله بصراحة حينها، ومازلت ألتقيه مرات ومرات، حتى رأيت فيه غير ما كنت أظن، وجدته على خلاف من هم في سنه، طموحاً كبيراً في أقواله وأفعاله، جاداً في دراسته موقراً لمعلميه، محترماً لأقرانه، نصوحاً لا يرضى بالخطأ ولا يشارك فيه، يستنكر الأخطاء التي يقع فيها سائر الطلاب، ويقف أمامها بقوة حتى يخجل فاعلوها، وقوراً برغم حداثة سنه، يحب الجميع ويتمنى لهم الخير، بعد كل هذه الصفات خجلت من نفسي وأدركت أنني أخطأت عندما حكمت عليه من أول لقاء، فبدأت أسعى أن أصل إلى رقي أخلاقه، وبدأت أبادله الابتسامة والسلام، والتحية والاحترام، حتى أصبح ذلك الفتى بالنسبة لي أخاً لا أطيق البعد عنه، وتعلم – يا أخي - مقدار تفجر العواطف في بدايات المراهقة، كما أنك تعلم أن الشعور بالغيرة كثيراً ما يسيطر على مشاعر المراهقين، إلا أن أخي ذاك لم يدع لي فرصة لذلك، فمشاعر المحبة والاحترام هزمت المشاعر الأخرى، أصبحنا أخوين حميمين، لا ترى أحدنا إلا وكان الآخر معه، ولا تلتقي أحدنا إلا وسألته من غير قصد عن صاحبه، كنا شخصاً واحداً في محبتنا، وشخصان في بنيتينا، كبرنا معاً، وجمعنا المسجد على خير الذكر، جمعتنا حلقات حفظ القرآن وكان ديدننا التنافس فيه، والمسابقة في الطاعات والصلوات، لقد كان لتلك الأخوة الصادقة فضلاً كبيراً بعد فضل الله تعالى في تربيتي، قل لي يا أخي، هل في الدنيا أروع من أخ صالح يذكّرك إذا ما نسيت ويقومك إذا ما أخطأت؟ بل هل تجد في هذا الزمان أخ بهذه المواصفات، إلا ما ندر!
لم أكن يوماً أرفع كفيّ للدعاء، إلا وقدمته على نفسي، ولم تشته نفسي أمراً إلا واشتريت له مثله، إن سمعت ما يسرني سارعت به إليه ليشاركني فرحتي، وإن احتجت لمن يسمعني كان أفضل من ينصت، أخطئ فيعذرني، وأصيب فيشكرني، أكسل فيحثني، وأغفل فينبهني، هل هذه محبة كاملة في نظرك؟ قبل أن تجيب، ليست هذه هي المحبة ال
الأصدقاء أنواع، ولا يعرف أحدنا معدن صديقه إلا في حالات معينة، وإذا أردنا أن نخوض في تفصيل أكثر فإنه في كل ظرف مختلف سنعرف صفة مختلفة من صفات أصدقائنا.
هو الذي يعتبر الصداقة بينك وبينه عهدا لا يتنازل عنه مهما تكن الظروف، في الشدة يكون أول شخص إلى جانبك، وفي الرخاء يكون نديمك وخليلك الذي تسعد بوجوده. لا تغيره الظروف ولا تهزه المغريات، يحبك وتحبه، يشتاق لك وتشتاق له، يصحح خطأك وتصحح خطأه ولا يزيد ذلك صداقتكم إلا قوة.
ملاحظات هامة
الصديق الحقيقي هو العملة النادرة، فإن وجدته فحافظ عليه، وتأكد عندها أنك من أكثر الناس سعادة وأوفرهم حظاً.
عندما يحدث خلاف فإن حالة من الهم تلف الطرفين، ولكن الصلح يكون سباقا وتعود المياه إلى مجاريها لتستمر الصداقة كما كانت، وربما أفضل مما كانت.
صديق تتعرف عليه في مناسبة ما، تشعر تجاهه بمحبة عارمة وسيل من العواطف، تعتقد حينها أنه الصديق الذي طالما بحثت عنه، وفي سرعة رهيبة تتطور العلاقة وتتزايد ليكون أقرب المقربين إليك، قد يحدث هذا كله في فترة لا تتعدى الشهر، ثم لا تلبث أن تدرك – ويدرك – أن هذه الصداقة كانت متسرعة نوعاً ما، حيث يكتشف كل منكما عيوب الآخر وأخطاءه، وفي بعض الأحيان يكتشف الطرفان أنها على طرفي نقيض، فتفتر الصداقة وتصبح عادية جداً.
ملاحظات هامة
الصديق المؤقت يترك مكانه في القلب ولا ينسى صديقه، ولكن فتور الصداقة يأتي نتيجة لسرعة نمو العلاقة، على خلاف العلاقة التي تنمو بعد إثبات الطرفين لمواقفهما ولصدق محبتهما. لذلك، احذر الصداقة المؤقتة لأنها في بعض الأحيان تترك جرحا لا يندمل.
تشعر بمحبته وتدرك أن له مكاناً في القلب، ولكن كلما اقتربت منه ابتعد، وكلما دنوت منه دنا عنك، حاجز مجهول يصده عنك ويصدك عنه، نادرا ما ترى منه إقبالاً، وتسعد بهذا الإقبال أيما سعادة، ولكن سرعان ما تزول سعادتك عند إدراكك أن هذا الإقبال كسابقه، إقبال سريع سرعان ما يزول. ولكن مع كل ذلك لا ينكر ولا تنكر أن لكل منكما مكانة مرموقة في قلب صاحبه.
ملاحظات هامة
هذا النوع من الأصدقاء – بالرغم من بعده – مريح للنفس و